أميركا اللاتينية.. طفرة رأسمالية

الإتحاد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بلغ التأييد للسوق الحرة مستويات قياسية في أميركا اللاتينية، وربما يشكل ذلك مفاجأة. ولكن المفاجأة الأكبر هي أن الرأسمالية أضحت مألوفة، بدرجة كبيرة، في دول تتعرض فيها لانتقادات الزعماء اليساريين ليل نهار. ونظرياً، من الممكن أن يُمهّد ذلك الطريق أمام عصر ذهبي للمستثمرين المحليين والأجانب في المنطقة. وتلك المعلومات المفاجئة حول صعود النزعة المؤيدة للرأسمالية في أميركا اللاتينية هي جزء من أرقام من المزمع نشرها قريباً في إطار الاستطلاع الإقليمي السنوي «لاتينوباروميترو». وبحسب البيانات، التي تم الكشف عن أجزاء منها، قفزت نسبة الأشخاص الذين يوافقون في المنطقة على فرضية أن «السوق الحرة هي الطريق الوحيد للتطور»، إلى 69 في المئة خلال العام الجاري، مقارنة بـ57 في المئة عندما طُرح السؤال للمرة الأولى قبل 14 عاماً مضت.

وقالت «مارتا لاجوس» مديرة «لاتينوباروميترو»: «إنها شعرت بالدهشة بسبب الأرقام التي تكشف ارتفاعاً كبيراً في مستويات تأييد سياسات السوق الحرة»، مضيفة: «في الماضي كانت المعارضة التاريخية للسوق الحرة وإجراءات الخصخصة في أميركا اللاتينية، والآن نشهد فجأة ذلك الارتفاع في التأييد».

وأكثر الدول اللاتينية المؤيدة للرأسمالية هي نيكاراجوا، وهي دولة يديرها الرئيس اليساري «دانييل أورتيجا». وعلى رغم من ذلك، يؤكد 79 في المئة من سكان نيكاراجوا أن السوق الحرة هي الطريق الوحيد أمام بلادهم كي تتطور.

وتأتي هندوراس في الترتيب الثاني، بنسبة تأييد 78 في المئة للسوق الحرة، تتبعها بوليفيا ثم الإكوادور وفنزويلا بنسبة 76 في المئة. وبالمقارنة، يشير 67 في المئة من الناس إلى أنهم يوافقون على تلك الفكرة في الأرجنتين، و66 في المئة في المكسيك، و64 في المئة في البرازيل و59 في المئة في تشيلي.

وعندما شاهدت تلك الأرقام، كان رد فعلي أن الأرقام تعكس تباينات الشعبوية في المنطقة. ويظهر الاستطلاع السنوي أن السوق الحرة في المنطقة وصلت إلى أدنى مستويات تأييدها في 2007. وكان ذلك عندما استفاد القادة الشعبويون اليساريون، في كل من فنزويلا والإكوادور وبوليفيا والأرجنتين، من الازدهار الاقتصادي الذي غذته قفزة أسعار السلع العالمية إلى مستويات قياسية، وأتاحت المجال أمام تقديم مبالغ ضخمة من الإعانات الحكومية.

وعندما وصلت طفرة أسعار السلع إلى نهايتها بحلول 2010، تراجعت معظم تلك الاقتصادات. وأدرك الناس أن قادتهم ضيّعوا مقدراتهم الاقتصادية في مهرجاناتهم الشعبوية، وتركوا دولهم مفلسة. وفاز في الانتخابات جيل جديد من القادة الذين ينتمون إلى الوسط أو يمين الوسط، أو وصلوا إلى سدة الرئاسة في الأرجنتين وبيرو والبرازيل والدول الأخرى، ويبدو أنهم قد أقنعوا شعوبهم، على الأقل راهناً، بأنه لا يمكن لدولة أن تحقق نمواً مستداماً من دون استثمارات خاصة.

ولكن هل سيدوم شغف أميركا اللاتينية، أو تسامحها، مع السوق الحرة؟ ويخبرني التاريخ ألا أراهن على ذلك، فالسياسات الأميركية اللاتينية تميل إلى التأرجح مثل «بندول الساعة» كل 10 أو 15 عاماً. وعندما ترتفع أسعار السلع العالمية، تزدهر سياسات الحكومات المركزية، وعندما تتراجع أسعار السلع، تتم مغازلة المستثمرين من القطاع الخاص. غير أن بعض المتفائلين يجدون ما يدعو إلى الأمل في البيانات الجديدة. ففي الأرجنتين، ارتفع تأييد السوق الحرة من 51 في المئة في 2003 إلى 67 في المئة في 2017، بينما زاد في كولومبيا من 57 في المئة إلى 67 في المئة خلال الفترة ذاتها، وأما في فنزويلا، فقفز من 51 في المئة إلى 75 في المئة، بحسب استطلاع «لاتينوباروميترو». وفي عالم نموذجي، يبدو الوقت الراهن مثالياً لكي تشكل الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية تحالفات اقتصادية جديدة، وتتنافس بمزيد من الفاعلية مع الصين، بل ويمكن لمثل هذه التحالفات أن تقيم منطقة تجارة حرة واسعة النطاق، مثلما اقترح معظم الرؤساء الأميركيين من جورج بوش الأب إلى باراك أوباما.

*كاتب أرجنتيني متخصص في شؤون أميركا اللاتينية

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفيس»

أخبار ذات صلة

0 تعليق